القرطبي
22
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لا يذكرون حرائرهم في الملا ، ولا يبتذلون أسماءهن ، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت ، وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها . الثالثة - اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه ( 1 ) منسوبا للام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الام الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله . والله أعلم . قوله تعالى : ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ، والعرب تسمى الشئ باسم الشئ إذا كان صادرا عنه . وقيل : " كلمته " بشارة الله تعالى مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان جبريل [ عليه السلام ] ( 2 ) ، وذلك قوله : " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه " ( 3 ) [ آل عمران : 45 ] . وقيل : " الكلمة " ههنا بمعنى الآية ، قال الله تعالى : " وصدقت بكلمات ربها " ( 4 ) [ التحريم : 12 ] و " ما نفدت كلمات الله " ( 5 ) [ لقمان : 27 ] . وكان لعيسى أربعة أسماء ، المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى " ألقاها إلى مريم " أمر بها مريم ( 6 ) . قوله تعالى : ( وروح منه ) . هذا الذي أوقع النصارى في الاضلال ، فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ، وعنه أجوبة ثمانية : الأول - قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ، فلهذا قال : " وروح منه " . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ، وهذا كقوله : " وطهر بيتي للطائفين " ( 7 ) [ الحج : 26 ] ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ، كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل :
--> ( 1 ) في ج : ذكره . ( 2 ) من ك . ( 3 ) راجع ج 4 ص 88 ( 4 ) راجع ج 18 ص 3 2 ( 5 ) راجع ج 14 ص 76 ( 6 ) في البحر : ألقاها إلى مريم أوجد هذا الحادث في مريم وحصله فيها . ( 7 ) راجع ج 2 ص 110